محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )
174
الروض المعطار في خبر الأقطار
تفتح ثم خرج السرح وخرجت الأسواق وانبث أهلها ، فأرسل المسلمون : ان ما لكم ؟ قالوا : رميتم لنا بالأمان فقبلنا وأقررنا لكم بالجزية على أن تمنعونا ، فقالوا : ما فعلنا ، وقال المشركون : ما كذبنا ، فإذا عبد يدعى مكنفا كان أصله منها هو الذي كتب لهم ، فقالوا : إنما هو عبد ، قالوا : إنا لا نعرف حرّكم من عبدكم قد جاء أمان فنحن عليه ولم نبدل ، فإن شئتم فاغدروا ، فأمسكوا عنهم ، وكتبوا إلى عمر رضي اللّه عنه ، فكتب لهم ان اللّه تعالى قد عظم الوفاء أجيزوهم وأوفوا لهم وانصرفوا عنهم ، وفي ذلك يقول عاصم بن عمير : لعمري لقد كانت قرابة مكنف * قرابة صدق ليس فيها تقاطع أجاركم من بعد ذل وقلة * وخوف شديد والبلاد بلاقع فجاء جوار العبد بعد اختلافنا * وردّ أمورا كان فيها تنازع إلى العدل والوالي المصيب حكومة * فقال بحق ليس فيه تخالع وللّه جندي شاهبور لقد نجت * غداة بنتها بالبلاد اللوامع وكان سابور « 1 » بن هرمز ذو الأكتاف أحد ملوك الفرس وباني الإيوان سار نحو بلاد الشام ففتح المدائن وقتل خلائق من الروم ، ثم طالبته نفسه بالدخول إلى بلاد الروم متنكرا ليعرف أخبارهم وسيرهم فتنكر وسار إلى القسطنطينية ، فصادف وليمة لقيصر قد اجتمع فيها الخاص والعام منهم ، فدخل في جملتهم وجلس على بعض موائدهم ، وكان قيصر أمر مصورا أتى عسكر سابور فصوره ، فلما جاء قيصر بالصورة أمر بها فصورت على آنية الشراب من الذهب والفضة ، وأتي من كان على المائدة التي كان عليها سابور بكأس فنظر بعض الخدم إلى الصورة التي على الكأس وسابور مقابل له على المائدة فعجب من اتفاق الصورتين وتقارب الشبهين ، فمال إلى الملك فأخبره ، ومثل بين يديه فسأله عن خبره فقال : بل أنا من أساورة سابور استحققت العقوبة لأمر كان مني ، فدعاني ذلك إلى الدخول في أرضكم ، فلم يقبلوا ذلك منه وقدم إلى السيف فأقر ، فجعله في جلد بقرة ، وسار قيصر في جنده حتى توسط العراق فافتتح المدائن وشنّ الغارات وعقر النخل وانتهى إلى مدينة جندي سابور وقد تحصن بها وجوه فارس ، فنزل بها ، وحضر عيد لهم في تلك الليلة وقد أشرفوا على فتح المدينة في صبيحتها فأغفل الموكلون أمر سابور وأخذ منهم الشراب ، وكان بالقرب من سابور جماعة من أسارى الفرس فخاطبهم أن يحل بعضهم بعضا وأمرهم أن يصبوا عليه زقاقا من الزيت كانت هناك ، ففعلوا ، فلان عليه الجلد وتخلص ، فأتى إلى المدينة وهم يتحارسون على سورها فعرفوه وأصعدوه بالحبال إليهم وفتح أبواب خزائن السلاح وخرج بهم ففرّقهم حول مواضع في الجيش ، والروم غارّون مطمئنون ، فكبس الجيش عند ضرب النواقيس فأتوه بقيصر أسيرا فاستحياه وأبقى عليه وضم إليه من أفلت من القتل من رجاله ، فغرس قيصر بالعراق الزيتون بدلا مما عقره من نخل العراق ولم يكن يعهد بالعراق الزيتون قبل ذلك وعمر ما خرب ، وانصرف قيصر نحو الروم . جنجالة « 2 » : حصن بالأندلس في شمال مرسية ، فيها حبس أبو زيد عبد الرحمن بن موسى بن يوجّان « 3 » بن يحيى الهنتاتي الذي كان وزير المنصور من بني عبد المؤمن ثم أنهض في زمان ابنه الناصر إلى ولاية تلمسان واصلاح الطرق من عيث زناتة . ولما تمكن أبو سعيد ابن جامع وزير المستنصر سعى في ولاية تلمسان لعمه السيد أبي سعيد بن المنصور وحبس ابن يوجان ، وجعل بنوه يكتبون سطورا بالبراءة من أفعاله وفرّقوها على البلاد . ولما زاد أبو سعيد ابن جامع الوزير تمكينا في سنة سبع عشرة وستمائة بعد تأخيره من الوزارة بلغه أن ابن يوجان شمت به وهو في حبسه بتلمسان وتكلم ورجا التسريح ، فما كان عنده خبر حتى وصل إليه من جاز به « 4 » إلى الأندلس وحبسه في حصن جنجالة . ولما حمل إلى ذلك الثغر السحيق وظنوا أن الداء « 5 » قد حسم بذلك
--> ( 1 ) قارن بالطبري 1 : 844 . ( 2 ) بروفنسال : 67 ، والترجمة : 84 ( Chenchilla ) ( 3 ) يرد هذا الاسم في المصادر على صور مختلفة منها وجّان ، بوجان ، يوجان ، وقد بدأ الحميري بالصورة الأولى في بعض المواضع ، ثم استمر يكتبه في الصورة الثانية حتى آخر الترجمة . ( 4 ) ص ع : خازنه . ( 5 ) ص ع : أن ذلك .